سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )

194

خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )

ثم قال : لقد كاشفت السلطان عبد الحميد في أكثر هذه المواضيع في خلوات عديدة فكان يسمع بكل إصغاء ولكنه في النتيجة كان قليل الاحتفاء بكل ما قلته له وفهمت من أوضاعه وأسارير وجهه أنه لا يعتقد أن قبول اللسان العربي وفكرة الفاتح والسلطان سليم بذلك - صوابا - وكذلك لا يحب أن يعترف أن توغلهم في أوروبا وفتح شبه جزيرة البلقان كان خطأ ! نعم إن زمن العمل قد مضى وانقضى وكان الحزم في إخراج تلك التصورات لحيز العمل والدولة العثمانية إبان عزها واستكمال قوتها وبأسها أما اليوم فالأمر للقوة والطاعة على الضعيف ، وليس باستطاعة عبد الحميد أن يفعل ما كان بإمكان السلطان الفاتح أو السلطان سليمان أو السلطان سليم أن يفعله . قال : فحولت وجهي عن ما لا يمكن إلى ما لا يمكن ، وفيه وقاية ما بقي من أملاك السلطنة العثمانية في غير أوروبا . فقلت للسلطان عبد الحميد : أتأذن في تقديم لائحة في تصوراتي ، لتحسين حال المملكة والتحوط بصونها من مطامع الأعداء ؟ قال : لا أريد أن تكتب شيئا من ذلك . إذ لا أحب أن يطلع أحد على ما يدور بيننا ! بل قل لي ما تشاء أن تكتبه بكل حرية وصراحة فأنا لك من السامعين ! قلت : أيعتقد جلالة السلطان أن مصر لو بقيت ولاية ترسل إليها الولاة من الأستانة مثل باكير باشا ومحمد باشا اليدكشي - وأمثالهما لجمع الأموال من غير وجهه وتوزيعها على رجال الدولة هنا « الأستانة » فقط ، على ما هو مشهور وغير خاف على جلالتكم . هل هو خير لمصر وأهلها وللسلطنة ؟ أم جعلها خديوية كما هي قبل الإنجليز ، خاضعة للدولة ومن الأجزاء المتممة للسلطنة ، يأتمر خديويها بأمركم والعساكر المصرية عثمانية تسرع لتلبية الأمر باللحاق مع جيوش السلطان وبكل المعنى رعية ، خاضعة ، طائعة ؟ فتفكر مليا وحول وجهه نحو النافذة عني ، حتى ظننت أن الحديث قد أساءه وأنه لا يحب الخوض فيه ولا العودة إليه ! وإذا هو بغتة قد التفت وتوجه بكليته إليّ وكأنه قد انتهى من ذكرى ما جرى من محمد علي باشا وابنه إبراهيم باشا وكيف أنه كاد أن يستخلص السلطنة العثمانية فتحا بالقوة » . وقال : لو قلنا إن وجودها خديوية أحسن من بقائها ولاية ، ثم ماذا ؟ قلت : يا مولاي ، إن السلطنة العثمانية تتألف اليوم من ثلاثين ولاية ومساحة